الجمعة، تموز 7

جلعاد يحلم









غزة تُشرع أحلامها وأزقة مخيماتها للسماء, تبتعد عن الغرب لتخرج من
حالة الأبيض المتوسط, غزة تختزل الحقول الخضراء الواسعة إلى بقع دم قرمزية, وأحلام
مكسورة لأطفال حفاة يرافقون المقاتلين, يحلمون باليوم الذي تُضاء فيه أكفهم
باشتعالات البندقية والنار !

لا مكان للحلم ههنا, لا مكان للأغنيات, هناك ساحة للقتال والوساطات
الدبلوماسية. قذائف تتشظى في الخاصرة, وفي زغاريد النسوة اللواتي يودعن الشهداء,
واجتماعات في السر, في الغرف المظلمة لعقد الصفقات !


لا مكان للأغنيات . كاميليا لا تستطيع غناء " بحب البحر " . غزة تكره
بحرها, لا تريد أن يبتلعها, لا تريد أن تبقى في ذاكرتها البحرية شظايا " هدى "
الموجعة, تُفضل لو تتحول تلك الصرخات في ذلك اليوم البعيد إلى رصاص في معركة "
الشمال " على أن يبقى صداها يتردد مع أمواج البحر على الشاطيء !


" الجيش الإسرائيلي الأكثر أخلاقية في العالم "

عمير بيرتس





جلعاد !

أنت الآن في أحد المنازل في هذا القطاع الغارق في الدخان الأسود الكثيف والدم
والتعب !

قد لا تكون الرؤيا منعدمة لديك تماما, كما نحن في الخارج. أنت تحلم الآن بالخروج,
تمني نفسك بقضاء ليلة جميلة مع صديقتك الشقراء على فراش وثير يحمله حظك الجميل في
الانعتاق من مدينة البحر الملتهبة . سكان غزة يفكرون مثلك !

سكان غزة يفكرون بالخروج من هذه الحالة, مثلك تماما, حلمك مشروع إذن !

الفارق الوحيد أن حلم من هم هنا يغرق في البحر, يذهب عميقا, يُنسى في حالة الدم
المتصاعد في النبض والعروق, وحلمك أنت يقضي عليه الحديد, حديد جيشك القوي الذي يصنع
حالة الدم !


قد تكتب لك الحياة من جديد, ستتذكر عندها " الحمساويين " الملتحين الذين كنت تقرأ
عنهم مع فنجان القهوة الصباحية في " يديعوت أحرونوت ", ستقترب منهم كثيرا الآن .
ستتذكر الطعام الغزيّ الذي لم تعتد عليه, ستتذكر الكثير يا جلعاد, أصوات الأطفال من
الشوارع, خطب المساجد التي تتحدث في مجملها عنك, وستكتب يوما في مذكراتك : " كنت
أتمنى أن أتابع المباراة النهائية في المونديال في قهوة بشارع ديزنغوف, فرأيت نفسي
أمام تلفاز في بيت بقطاع غزة! " *


نعم يا جلعاد . الشبّان الذين يتحلقون حولك, ينظرون إليك بغرابة كما يرى الأطفال
شيئا جديدا أمامهم, يحاولون تفحصه, يقتربون منه, سيلبون كل طلباتك, سيكيفون أنفسهم
على نمطك الذي تريد لأنهم تلقوا الأوامر لمعاملتك معاملة حسنة .

آه يا جلعاد, أمامك تلفاز ؟

هل ترى الأشلاء التي تتطاير على مقربة منك ؟

جاءوا لأجلك, يسنون الرماح, يقطعون الرؤوس, يبترون الأحلام والأغنيات وكل شيء
أمامهم كُرمى لعينيك . أمامك تلفاز ؟

إستمع لوزيرك يقول : " جيشنا الأكثر أخلاقية في العالم ", إستمع بتمعن, تذكر جلساتك
في معسكرات " جيش الدفاع " التي تعلمت فيها إطلاق النار والقصف بالقذائف, تذكر حصصك
الدراسية المليئة برائحة الكراهية لنا, تذكر الأوامر التي كانت تصلك عندما كنت على
الحدود تقول لك : " أطلق على أي شيء يتحرك في هذا المدى البعيد, حتى على عصافير
الصباح وصوت فيروز الذي يستمتع به شاب على الجانب الآخر ! " .

تذكر كل هذا في لحظة يصبح لزاما عليك أن تقارن بينه وبين ما تعيشه الآن في كنف
الشبان الذي يتسمرون أمامك, وقل لي بمّ تشعر ؟!


الآن فقط, عندما تحاصرك لحظة الحقيقة, ستتذكر كل الأشياء الجميلة التي تتشبث بذاكرتك,
كل شيء جميل, ليالي ممارسة الحب, الرحلات الصيفية إلى باريس, الصور المتناثرة مع
فتيات جميلات, زجاجات الويسكي والفودكا في حفلات السمر في حضن الجليل . يرتخي جسدك,
يسيل الدم, ونحن نستمر, ونحلم مثلك .



* المباراة النهائية في المونديال تجمع ما بين منتخبي إيطاليا وفرنسا, ولأن جلعاد
حاصل على الجنسية الفرنسية فسيطلب متابعة المباراة لتشجيع منتخب بلاده .


الثلاثاء، تموز 4

صوت الشعب !


إذاعة فلسطينية جديدة تبث من قطاع غزة تُضاف إلى سلسلة الإذاعات المحلية التي
أُفتتحت في القطاع بالترافق مع اندلاع انتفاضة الأقصى في أواخر العام ألفين. ما
يختلف في هذه الإذاعة أن انطلاقتها جاءت متأخرة قياسا بالإذاعات المحلية الأخرى
الذي مضى على افتتاح البعض منها خمس سنوات وأكثر, وإن كان هناك تشابه كبير ما بينها
وبين الإذاعات الأخرى من جهة الانتماء السياسي, ففي حين تعتبر إذاعات ك" صوت الحرية
" و " الشباب " محسوبة على حركة فتح, و " الأقصى " لحماس, و " القدس " للجهاد
الإسلامي, فإن " صوت الشعب " تعتبر بشكل أو بآخر تابعة للجبهة الشعبية . ويستطيع
الواحد منا أن يعي أيضا أن اسم الإذاعة هو نفس اسم الإذاعة اللبنانية الشهيرة
التابعة للحزب الشيوعي اللبناني .

نظريا – وبالنسبة لي على الأقل – فإن افتتاح إذاعة تابعة أو مقربة من حزب يُعرف
نفسه في أدبياته على أنه حزب ماركسي لينيني يعني الكثير على مستوى الخطاب الذي
يُفترض أن تتبناه الإذاعة من خلال بثها, وبديهي أن الأغنية, الكلمة, أسلوب المذيع
وغيرها من الأمور الأخرى هي كلها مكونات جوهرية في هذا الخطاب الذي يكتمل أيضا
بالموقف السياسي والفكري والدور الذي تؤديه الإذاعة في خدمة جماهير الشعب من عمال
وفلاحين وكادحين .
ولأننا تعلمنا بطريقة أو بأخرى أن الماركسيين اللينيين هم أناس مختلفون في خطابهم,
وأصحاب إبداع وتميز في قضايا الفنون والآداب والإعلام, فيفترض أن نستنتج بداهة أن
الإذاعة لابد وأن تكون مميزة في وسط هذه الحالة الإعلامية الغزيّة, فهل حدث هذا ؟!

الجواب : لا وبكل تأكيد . عذرا, الإذاعة في مرحلة بث تجريبي صحيح, وهي مازالت تحتاج
لكادر إعلامي صحيح, والتقييم مازال مبكرا صحيح . كل هذا صحيح, لكن في نفس الوقت من
يريد أن يتميز لابد وأن يتمايز من اللحظة الأولى, والبث في الفترة الحالية يعطينا
إشارات على ما سيكون الحال عليه في المستقبل !
الإذاعة ليست مميزة وللأسف. لولا بعض الأغاني التي تأتي على ذكر " أبو علي مصطفى "
وعمليات الجبهة وأغنية

17 أكتوبر الشهيرة,أقول لولا بعض هذه الأغنيات لحسبت نفسي أستمع لإذاعة فتحاوية,
وفي بعض الأحيان يزداد الأمر سوءا لأنني أظن للوهلة الأولى أنني أستمع للأقصى
التابعة لحماس!
ما يحدث باختصار أن " صوت الشعب " ركبت الموجة, أو أنها فقدت لمسة التميز فوقعت في
فخ التقليد لإذاعات أخرى
.


أستمع يوميا لبثها عدة ساعات وأفاجأ دوما بتكرار الأغاني نفسها عدة مرات مع العلم
أن العديد من رفاقنا زودوا الإذاعة باسطوانات لأغانٍ كثيرة, لكن أكثر ما يفاجئني هو
ذلك الخطاب الذي تحمله الأغاني التي تُبث, الأغاني كلها تحمل مفاهيم وجمل غنائية ك
: قتل( اليهود ), الأحزمة الناسفة, التفخيخ, الدم, القتل, بالإضافة لعشرات الأغنيات
ذات القالب الديني في مفهومها والتي تتحدث عن الجهاد في سبيل الله, الحور العين,
جنات الخلد, والتي غالبا ما تُبث من قبل إذاعة حماس أو الجهاد وفي بعض الأحيان من
إذاعات فتح !

الأمر لفت نظري بالفعل, وقد هاتفت بعضا من الرفاق المستمعين وكانت وجهة نظرهم في
نفس الاتجاه, فبادرت بالاتصال بالإذاعة لكني لم أجد أحدا من المديرين هناك, لكني
تحدثت للكنترول عن انتقادي, قلت له : أنا لم أستمع لمارسيل منذ أيام, وكذلك الشيخ
إمام وسميح وأميمة, ما الذي يحصل لديكم ؟!
أكدت له أن الأغنية التي تبث في الإذاعة هي جزء من خطاب كامل متكامل, وأن أغنيات
هؤلاء الفنانين المعروفة أجمل بما لا يُقاس بالأغاني التي نستمع لها عبر الإذاعة,
وأنه ليس من الضروري أن تكون الأغنية صاخبة لتوصل رسالتها, وأخيرا ختمت مكالمتي بأن
الإذاعة إذاعة يسارية ولابد لخطابها أن يكون ضمن إطار خط اليسار الذي يُقدر الإنسان
ويسمو بذائقته حتى في أصعب اللحظات .

الأمر الآخر الذي امتعضت منه هو الكم الهائل من الأخطاء النحوية والذي يظهر بشكل فج
جدا خلال حديث المذيعين أو الشخص الذي يقوم بعمل وصلات كلامية ما بين الفينة الأخرى
للتعبير عن موقف أو تضامن أو مناشدة . قد أستطيع تفهم خطأ هنا أو خطأ هناك وفي
القراءة, لكنني لا أستطيع أن أتفهم أخطاء بالغة السوء تصل لحد رفع المجرور ونصب
المرفوع !

الإذاعة أي إذاعة تعبر عن فكرة, والفكرة تحتاج لخطاب يتناسب ومضمونها, وتحتاج
لأسلوب شيّق ولغة سليمة, وهذا رجاؤنا على رفاقنا العاملين في الإذاعة أن يأخذوا هذه
الأمور بعين الاعتبار, وأن يطوروا على الأمور التي استطاعوا النجاح فيها بشكل مميز
وتحديدا في التغطية الإخبارية الدائمة لمجريات الأحداث, وإلا فإننا جئنا بإذاعة
جديدة تزيد من عدد الإذاعات الموجودة, ولا تقدم شيئا في سبيل الفكرة التي قامت
عليها !

html hit counter code
cheap web hosting