الجمعة، نيسان 14

موقفي



عندما بدأت الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة بالتوجه نحو العسكرة المفرطة, أي نحو اختزال الدور الشعبي الجماهيري - السلمي عموما - في مواجهة المحتل الصهيوني وسياسته العنصرية, والتوجه نحو العمليات الاستشهادية في الأراضي المحتلة عام ثمانية وأربعين كخيار واحد أوحد مصبوع بلغة الثأر والرد دوما, بعيدا كل البعد عن هدف سياسي محدد المعالم, كان لابد أن أتخذ لي موقفا بإزاء الأمر


الأمر لا يعني كُثرا, أعلم ذلك . ماذا يعني أن يتخذ شخص غير مؤثر في حالة الدم المتصاعد ههنا موقفا ؟
الأمر قد لا يعنيكم كثيرا, لكنه بالنسبة لي يعني الكثير, وقد كنت وما زلت أعبر عن هذا الموقف بشكل واضح لا يقبل المخاتلة, وقد ازدادت قناعاتي بموقفي هذا بعد جملة التحولات الأخيرة في الساحة الفلسطينية

كيساري أنظر إلى العمليات الاستشهادية في المناطق المحتلة عام 1948 من مستويين, الأول هو مستوىً أخلاقي إنساني. أهتم كثيرا بالتفوق الأخلاقي للضحية . ستتحدثون عن إيمان حجو وسارة عبد الحق, عن الدم المهدور في أزقة بلاطة وجنين, فأقول أننا لسنا بحاجة لأن نكون إرهابيين مثلهم, إن كانوا قتلة فليس علينا أن نكون كذلك, علينا أن نثبت لأنفسنا على الأقل أننا لا ننحدر باتجاه نفس التفكير الدموي هذا بكل بساطة وبعيدا عن الإغراق في الفلسفة التي لا أجيدها .

بنفس الدوافع الأخلاقية / الإنسانية فإنه لا يمكنني بصراحة أن أتحمل أن يقوم تنظيم فلسطيني يقول بأنه ماركسي لينيني بإرسال طفل يبلغ من العمر ستة عشر عاما لتفجير نفسه في سوق إسرائيلي *, ولا يمكنني أن أتحمل ومن دافع حرصي الوطني أن يُختزل مفهوم النضال الوطني ليصبح مجموعة عمليات تُنفذ- ردا - على جرائم الاحتلال, بدلا من أن يكون مشروعا كاملا يرتبط بثقافة إنسانية تؤكد على أن المقاومة هي وسيلة لتحقيق هدف سياسي .

أما المستوى الآخر والذي لا يقل أهمية بحال من الأحوال عن الأول هو المستوى السياسي

أنا ما زلت أتساءل عن المكاسب السياسية التي حققتها العمليات الاستشهادية, وعن خدمتها للمشروع الوطني, وعما إذا كان الفصيل الرئيسي الذي تبناها لأوسع مدى كان ينفذها من أجل مشروع وطني ينتهي بدولة حرّة أم من أجل تحقيق مكاسب سياسية فئوية .

حديثي السابق لا يعني بحال من الأحوال قبولي بحلول التسوية المجتزأة التي جاء بها أصحاب أوسلو, لا أبدا, أنا كنت أتمنى فقط أن يترسخ توجه مقاوم يعتبر أن حربه الأساسية ضد جنود الاحتلال المحتلين وميليشيات مستوطنيه, وأيا يكن الحديث عن المجتمع العسكري الإسرائيلي العسكري, وعن الطفل الذي يتحول إلى جندي على حاجز لعين, أقول وبغض النظر عن هذا الحديث فإنه وفي مضمار السياسة يصبح الحديث عن المجتمع الدولي أمرا هاما, وبكل المقاييس فإن نظرية الطفل الذي يتحول لجندي لا تروق لهذا المجتمع الذي كان من المفترض أن نعيره انتباها أكثر مهما بلغ جوره وظلمه, لأننا نتحمل جزءا من المسئولية في دفعه للتفكير باتجاه المساواة بين الضحية والجلاد .


أتذكر الآن حديثا لخالد مشعل قال فيه أن 80 % من الفعل المقاوم خلال الانتفاضة كان عبارة عن عمليات استشهادية نُفذت في المناطق المحتلة عام 48, كنت أقول يومها : ما الذي أبقيته لي يا مشعل ؟

لمّ أنا مجبر على أن أجلس على شاشة التلفاز بانتظار الخبر العاجل والصوت الجهوري الذي ينطلق من مئذنة المسجد معلنا عن العملية التي سقط فيها العشرات من - القردة والخنازير - ما الذي أبقيته لي مشعل, ولماذا يصبح ذهابي إلى مستوطنة كفار داروم - سابقا - من أجل رجم الجنود المحصنين في حاميات الإسمنت المسلح بالحجارة رحلة عبثية ليست مفتوحة على أفق ؟

لماذا يا مشعل ؟
يتبع

ملاحظة هامشية : في تشرين الثاني / نوفمبر 2004 وقع انفجار في سوق الكرمل بتل أبيب أوقع العشرات بين* قتيل وجريح, فيما بعد أصدرت كتائب الشهيد أبو علي مصطفى الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بيانا قالت فيه أن منفذ العملية هو عامر الفار من مخيم عسكر في مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية, وأنها جاءت ردا على اغتيال يامن فرج قائد الكتائب في نابلس
أذكر أنني نظرت إلى بوستر لعامر وقد كان يُقبل بندقية كلاشنكوف, الملامح طفولية جدا, تبين لي فيما بعد أن عامر يبلغ من العمر ستة عشر عاما فقط

2 Comments:

Blogger أحمر said...

ربما كنت على حق في نقد أولويات العمل خلال فترة المرحومة الانتفاضة، لكن أنا شخصيا يضرب عندي جرس الإنذار عندما تكون أول نقطة للجدل هي مسألة العمليات الاستشهادية كأنها هي المسؤولة الأولى عن فشل الانتفاضة، ومع أن هذه النقطة بالذات لم تحسم بعد

فشل الانتفاضة كان سياسيا بالدرجة الأولى وأهم أسبابه عدم خروج امقاومة عن منطق أوسلو أي عجز هذه المقاومة عن إعطاء العمليات نفسها أي معنى سياسي

أما جهبوبتنا الشعبية، شعبوبة قلبي، بالذات، فلا ترجع أسباب فسحلتها أبدا إلى العمليات الاستشهادية التي لم تغضب إلا الوسط المأنجز داخل الجبهة
الجبهة سقطت لأسباب عضوية (يمكن فشل كلوي أو شيء من هذا القبيل)، فا حرام تحمل عامر الفار المسؤولية

1:57 ص  
Blogger zeryab said...

رفيقي لاحظ أنني لم أحمل العمليات الاستشهادية فشل الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة, على الأقل أنا أعتبرها أحد العوامل المؤدية إلى إدخال الانتفاضة في تيه غير واضح المعالم, طبعا يُضاف إلى ذلك الخازوق الذي - أكلته - الانتفاضة من قيادة التسوية الفلسطينية وجوقة حاشية السلطة العازفة على أوتار السلام والتسوية حتى بعد أن دخل شارون إلى المسرح وخرّب الحفلة .

أنا لم أرجع أسباب تراجع الجبهة الشعبية للعمليات لكنني ذكرتها على سبيل التأكيد على وجود الخلل في الطرف الذي يفترض به أن يقود تصورا آخرا للمقاومة تصورا دعنا نقول أنه إشتراكي بالمعنى الإنساني, يعترف بالعنف الثوري ضد الجنود وميليشيات المستوطنين ويركز على القضية الإخلاقية كقوة مثال تنير درب حركة التحرر الوطني الفلسطيني التي تاهت مرة عندما سيطر اليمين الانتهازي ومرة عندما سيطر اليمين الديني .

أنا أنتقد يارفيق لأنني أشعر بالفعل أن مكاسب سياسية لم نحصدها من وراء هذه العمليات وأنها على العكس تماما جعلتنا نخسر الكثير من مكتسبات صمودنا التي كان من الممكن استغلالها حتى اللحظة, لكن لا بأس ما زال هناك متسع لأفق جديد .

دمت بخير

1:18 م  

إرسال تعليق

<< Home

html hit counter code
cheap web hosting