الجمعة، آذار 24

شجرة ... لا بأس


يريدوني
أن أكتب عنك, وكما عهدتني, فلا أستطيع أن أرفض لهم طلبا, لأنهم يحبونك, إذن فهأنذا أكتب عني, وبعبارة أخرى فإني أكتب عنك, لأني أحبهم. أما إن كنت أحبك أو كنت تحبني, فتلك مسألة حسمتها " لقمة " الكبة التي أتقنتها أمنا الراحلة, أم قاسم ورغيف الخبز الذي أتقنته أمنا الذاوية كشجرة مرهقة, أم احمد.

ولأعترف أولا, بأن قاموس حياتنا وحياة لغتنا كرسا ثنائيات في الكلام وفي المكابدة شأنها أن تخلق توازنا ما, قد نفهمه وقد لا نفهمه, لكنه يظل حقيقة موضوعية في موازاة الذوات الجامحة الطامحة أبدا إلى الوحدانية والتفرد, ولهذه الحقيقة أن ترضينا أو تغضبنا, على مزاجها وهواها.
ثمة ثنائية في القضاء والقدر والليل والنهار والحياة والموت ومحمود وسميح, إذا كان محمود قضاء فلا فكاك لسميح أن يكون قدرا .. وهكذا سميح الليل ومحمود النهار .
ومحمود الحياة وسميح الموت .. ويريدونني أن أكتب عنك لأنهم ألفوا ثنائياتهم ويريدونك أن تكتب عنك, لذلك طرقوا باب قلبي برفق وهمسوا بكل ما فيهم من نقاء الحب وطهر الحرقة ووداعة الألم الإنساني : أكتب لنا عن محمود .
وأعرف إلى أين ينتهي ولكنني لا أعرف من أين أبدأ, هل أبدأ من أماسي الرامة في علية الدار القديمة ولفيف الشبان الحالمين بوطن في قصيدة ؟ هل أبدأ من الطائر الغريب الذي سميناه " تأبط شعرا " ولم نقبل بانضمامه إلينا إلا لنقنع أنفسنا, كما يبدو, بتفوقنا ؟ هل أبدأ بتلك الصبية الجميلة التي ألهمتك " ملحمتك " الأولى " عروس جبل حيدر " واستدرجتني إلى " ملحمتي الأولى " " بلبل دير الأسد " ؟( بالمناسبة فقد احتفظت تلك الصبية الجميلة بخط يدك أربعين عاما !! ) وهل أبدأ من نهارات حيفا القاحلة ولياليها المثقلة بالثمر ؟ أم من جريدة " الإتحاد " ومجلة الجديد وبطاقاتنا الحزبية القلقة ؟ أم من جنون الأعمى الذي يقوده أخوه في شارع الأنبياء ؟ أم من تحطيم الزجاجات الفارغة على أرصفة الليل الثمل بالحزن والضياع ؟ أم من تظاهراتنا المشتركة, وسجوننا المشتركة, ومعتقلاتنا المشتركة, وحبنا المشترك, وجوعنا المشترك, وبكاؤنا المرير الطويل على صدر الرحمن الرحيم, وفي أحضان الكرمل البارد المغترب بلا نهاية.
ومن أين ؟ من أين أبدأ من رحيلك المفاجيء ووحدتي المفاجئة, وسخطي عليك لحزني عليّ وخوفي عليك ؟ وهل أبدأ من لقائنا المفاجيء في " مينابوليس " النائية القاسية بعد ثمانية أعوام من هجرة في الخارج وهجرة في الداخل ؟
لا, لا أعرف من أين أبدأ, ولكني أعرف إلى أين أنتهي, أعرف كيف اكتشفنا فجأة أننا كبرنا .. كبرنا كثيرا .. كبرنا بشكل غير لائق على الإطلاق, فما زالت في مكتباتنا كتب لم نقرأها بعد, ومازالت في جراحنا دماء لم ننزفها بعد, ومازالت في أرواحنا كلمات لم نصنع فضاءها بعد, ومازالت في هواجسنا قصائد لم نقلها بعد .. وانظر من حولك, انظر يا محمود يا أخي وحبيبي, كم من العيون الجميلة تتفتح في بساتين الصبوات, وكم من سهول في وطننا لم يرحل عنها الدخان بعد. وكم من جبال في بلادنا تبدع لأجلنا, ولأجلنا فقط, زهورها البرية المتمردة على الجرافات الغريبة .. وانظر من حولك, كم من الأطفال الجدد في باحة البيت القديم, لا يريدون أبوتنا بقدر ما يريدون قصيدتنا, وها نحن نحاول أن نعترف بأننا كبرنا, بيد أن شقاوة الطفولة تدوس بقدميها الحافيتين تجاعيد الكهولة وتتركها أسطوانة مشروخة تدور على نفسها بلا أمل, إزاء هذا العناد الطفولي الجامح, مُهرا على سفوح وطن ينتظر فينا وننتظر فيه.
أشيع ذات يوم أنك بلغت الخمسين. هل انقضت سبعة أعوام عجاف على تلك الإشاعة المغرضة ؟ لا أعلم . لكني أذكر أن أخاك " الربذي " خاطبك من جب منفاه الاختياري آنذاك ليشد من أزرك وليلخص معك سيرة سرب من الطيور المهاجرة, تقلبه الرياح والعواصف والمناخات, فلا يعود إلى موطنه الأولي إلا وقد نثرت تقاويم الطبيعة والطبائع " ريش أمواته " على مخاضات هذا الكوكب, كوكبنا الأرضي الضيق الشاسع .. هل كان أخوك " الربذي " محقا حين قال آنذاك :

على ورق السنديان
ولدنا صباحا
لأم ندى وأب زعفران
ومتنا مساء
بلا أبوين
على بحر غربتنا
في زوارق من ورق السيلوفان
على ورق البحر ،
ليلا ،
كتبنا نشيد الغرق
وعدنا احترقنا بنار مطالعنا
والنشيد احترق
بنار مدامعنا
والورق
يطير بأجنحة من دخان
وها نحن يا صاحبي ،
صفحتان ، ووجه جديد يقلبنا من جديد
على صفحات كتاب القلق
وها نحن . لا نحن
ميت وحي
وحي وميت
" بكى صاحبي "
على سطح غربته مستغيثا
" بكى صاحبي "
وبكى ، وبكيت
على سطح بيت ..
ألا ليت .. ليت
ويا ليت .. ليت
ولدنا ومتنا على ورق السنديان


والآن ماذا تبقى لنا نقوله للسنديان ؟ من ناحيتي, فإنني أعترف لك بأني بت أخجل من النظر في عيون الزيتون والصبار والسنديان. وأنت تدرك سر خجلي بمثل ما أدرك أنك تصغرني سنا بأيام كثيرة نُضيف إليها سبعة أعوام وسبعة أيام وسبع دقائق, كنت حدثتك عنها ف باريس بعد مغادرتك المستشفى . هذا يعني أنك مازلت تملك متسعا من الوقت قبل الانخراط في خجل أخيك المقيم في بركان جوفي يوشك على الإنفجار في أي لحظة قادمة ...
وها نحن يا أخي العزيز على نفسي لا أكثر, نبحث في العتمة عن أقلامنا لندون مطلعا نخشى ضياعه, فتصطدم أصابعنا المرهقة المرهفة بزجاجات الدواء وعلب المسكنات ..
ها نحن يدفع أحدنا عن نفسه إلى أخيه هم العبارة إياها ... ( أن تقول رثائي ) لكننا نتشبث بأشلاء تفاؤلنا وشظايا حلمنا, بطموحنا الذي قد يكون مبررا, لأننا نصبح فيما بعد, شجرة يفيء إلى ظلها التلاميذ وطيور الفجر والعشاق وعابرو السبيل من فلاحين وعمال وآباء وأمهات .. شجرة مؤهلة للاكتفاء بالثمر إذا أتيح لها وبالخضرة الأليفة. شجرة يباركها الوطن ويصونها الشعب ويرعاها الله .. شجرة يا أخي, ولا بأس .. لا بأس ..


من رسائل سميح القاسم لمحمود درويش




html hit counter code
cheap web hosting