الجمعة، آذار 31

في يوم الأرض





ما ننساكم


خير ياسين

رأفت زهيري

خضر خلايلة

محسن طه

خديجة شواهنة

رجا أبوريا

من إبداعات المُلا واحد إفتراضي دام ظله الوارف

الأحد، آذار 26

مقاومة من نوع آخر



!! آآآآآخ يا إصبعي


من مواجهات بيت سيرا ضد جدار الفصل

الجمعة، آذار 24

شجرة ... لا بأس


يريدوني
أن أكتب عنك, وكما عهدتني, فلا أستطيع أن أرفض لهم طلبا, لأنهم يحبونك, إذن فهأنذا أكتب عني, وبعبارة أخرى فإني أكتب عنك, لأني أحبهم. أما إن كنت أحبك أو كنت تحبني, فتلك مسألة حسمتها " لقمة " الكبة التي أتقنتها أمنا الراحلة, أم قاسم ورغيف الخبز الذي أتقنته أمنا الذاوية كشجرة مرهقة, أم احمد.

ولأعترف أولا, بأن قاموس حياتنا وحياة لغتنا كرسا ثنائيات في الكلام وفي المكابدة شأنها أن تخلق توازنا ما, قد نفهمه وقد لا نفهمه, لكنه يظل حقيقة موضوعية في موازاة الذوات الجامحة الطامحة أبدا إلى الوحدانية والتفرد, ولهذه الحقيقة أن ترضينا أو تغضبنا, على مزاجها وهواها.
ثمة ثنائية في القضاء والقدر والليل والنهار والحياة والموت ومحمود وسميح, إذا كان محمود قضاء فلا فكاك لسميح أن يكون قدرا .. وهكذا سميح الليل ومحمود النهار .
ومحمود الحياة وسميح الموت .. ويريدونني أن أكتب عنك لأنهم ألفوا ثنائياتهم ويريدونك أن تكتب عنك, لذلك طرقوا باب قلبي برفق وهمسوا بكل ما فيهم من نقاء الحب وطهر الحرقة ووداعة الألم الإنساني : أكتب لنا عن محمود .
وأعرف إلى أين ينتهي ولكنني لا أعرف من أين أبدأ, هل أبدأ من أماسي الرامة في علية الدار القديمة ولفيف الشبان الحالمين بوطن في قصيدة ؟ هل أبدأ من الطائر الغريب الذي سميناه " تأبط شعرا " ولم نقبل بانضمامه إلينا إلا لنقنع أنفسنا, كما يبدو, بتفوقنا ؟ هل أبدأ بتلك الصبية الجميلة التي ألهمتك " ملحمتك " الأولى " عروس جبل حيدر " واستدرجتني إلى " ملحمتي الأولى " " بلبل دير الأسد " ؟( بالمناسبة فقد احتفظت تلك الصبية الجميلة بخط يدك أربعين عاما !! ) وهل أبدأ من نهارات حيفا القاحلة ولياليها المثقلة بالثمر ؟ أم من جريدة " الإتحاد " ومجلة الجديد وبطاقاتنا الحزبية القلقة ؟ أم من جنون الأعمى الذي يقوده أخوه في شارع الأنبياء ؟ أم من تحطيم الزجاجات الفارغة على أرصفة الليل الثمل بالحزن والضياع ؟ أم من تظاهراتنا المشتركة, وسجوننا المشتركة, ومعتقلاتنا المشتركة, وحبنا المشترك, وجوعنا المشترك, وبكاؤنا المرير الطويل على صدر الرحمن الرحيم, وفي أحضان الكرمل البارد المغترب بلا نهاية.
ومن أين ؟ من أين أبدأ من رحيلك المفاجيء ووحدتي المفاجئة, وسخطي عليك لحزني عليّ وخوفي عليك ؟ وهل أبدأ من لقائنا المفاجيء في " مينابوليس " النائية القاسية بعد ثمانية أعوام من هجرة في الخارج وهجرة في الداخل ؟
لا, لا أعرف من أين أبدأ, ولكني أعرف إلى أين أنتهي, أعرف كيف اكتشفنا فجأة أننا كبرنا .. كبرنا كثيرا .. كبرنا بشكل غير لائق على الإطلاق, فما زالت في مكتباتنا كتب لم نقرأها بعد, ومازالت في جراحنا دماء لم ننزفها بعد, ومازالت في أرواحنا كلمات لم نصنع فضاءها بعد, ومازالت في هواجسنا قصائد لم نقلها بعد .. وانظر من حولك, انظر يا محمود يا أخي وحبيبي, كم من العيون الجميلة تتفتح في بساتين الصبوات, وكم من سهول في وطننا لم يرحل عنها الدخان بعد. وكم من جبال في بلادنا تبدع لأجلنا, ولأجلنا فقط, زهورها البرية المتمردة على الجرافات الغريبة .. وانظر من حولك, كم من الأطفال الجدد في باحة البيت القديم, لا يريدون أبوتنا بقدر ما يريدون قصيدتنا, وها نحن نحاول أن نعترف بأننا كبرنا, بيد أن شقاوة الطفولة تدوس بقدميها الحافيتين تجاعيد الكهولة وتتركها أسطوانة مشروخة تدور على نفسها بلا أمل, إزاء هذا العناد الطفولي الجامح, مُهرا على سفوح وطن ينتظر فينا وننتظر فيه.
أشيع ذات يوم أنك بلغت الخمسين. هل انقضت سبعة أعوام عجاف على تلك الإشاعة المغرضة ؟ لا أعلم . لكني أذكر أن أخاك " الربذي " خاطبك من جب منفاه الاختياري آنذاك ليشد من أزرك وليلخص معك سيرة سرب من الطيور المهاجرة, تقلبه الرياح والعواصف والمناخات, فلا يعود إلى موطنه الأولي إلا وقد نثرت تقاويم الطبيعة والطبائع " ريش أمواته " على مخاضات هذا الكوكب, كوكبنا الأرضي الضيق الشاسع .. هل كان أخوك " الربذي " محقا حين قال آنذاك :

على ورق السنديان
ولدنا صباحا
لأم ندى وأب زعفران
ومتنا مساء
بلا أبوين
على بحر غربتنا
في زوارق من ورق السيلوفان
على ورق البحر ،
ليلا ،
كتبنا نشيد الغرق
وعدنا احترقنا بنار مطالعنا
والنشيد احترق
بنار مدامعنا
والورق
يطير بأجنحة من دخان
وها نحن يا صاحبي ،
صفحتان ، ووجه جديد يقلبنا من جديد
على صفحات كتاب القلق
وها نحن . لا نحن
ميت وحي
وحي وميت
" بكى صاحبي "
على سطح غربته مستغيثا
" بكى صاحبي "
وبكى ، وبكيت
على سطح بيت ..
ألا ليت .. ليت
ويا ليت .. ليت
ولدنا ومتنا على ورق السنديان


والآن ماذا تبقى لنا نقوله للسنديان ؟ من ناحيتي, فإنني أعترف لك بأني بت أخجل من النظر في عيون الزيتون والصبار والسنديان. وأنت تدرك سر خجلي بمثل ما أدرك أنك تصغرني سنا بأيام كثيرة نُضيف إليها سبعة أعوام وسبعة أيام وسبع دقائق, كنت حدثتك عنها ف باريس بعد مغادرتك المستشفى . هذا يعني أنك مازلت تملك متسعا من الوقت قبل الانخراط في خجل أخيك المقيم في بركان جوفي يوشك على الإنفجار في أي لحظة قادمة ...
وها نحن يا أخي العزيز على نفسي لا أكثر, نبحث في العتمة عن أقلامنا لندون مطلعا نخشى ضياعه, فتصطدم أصابعنا المرهقة المرهفة بزجاجات الدواء وعلب المسكنات ..
ها نحن يدفع أحدنا عن نفسه إلى أخيه هم العبارة إياها ... ( أن تقول رثائي ) لكننا نتشبث بأشلاء تفاؤلنا وشظايا حلمنا, بطموحنا الذي قد يكون مبررا, لأننا نصبح فيما بعد, شجرة يفيء إلى ظلها التلاميذ وطيور الفجر والعشاق وعابرو السبيل من فلاحين وعمال وآباء وأمهات .. شجرة مؤهلة للاكتفاء بالثمر إذا أتيح لها وبالخضرة الأليفة. شجرة يباركها الوطن ويصونها الشعب ويرعاها الله .. شجرة يا أخي, ولا بأس .. لا بأس ..


من رسائل سميح القاسم لمحمود درويش




الخميس، آذار 23

مع الربيع هنا نبدأ




لقد استنفذت كل محاولاتي للذهاب إلى رام الله لرؤية الأصدقاء والأحبة بلا جدوى, لم
أستطع إلا أن أفتتح مدونات جديدة وأكتب إليهم, هذا يبقى أفضل من الصمت بنظري


لأنه الربيع يا يارا, لأنه الربيع !
الربيع حيث انفتاح الأفق على الحب والأغنيات, صعود أحمر زهر الحنّون
في القلب قمرا يضيء ليالي العشاق, تَفَتُح الأهازيج في الحقول, تناثُر خيوط الشمس على قبور الشهداء, وعمال النظافة الصباحيين, نسيان الذاكرة والقهوة المرّة في فصل المطر, والإقبال على كل التفاصيل من جديد .


لأنه الربيع أبدأ ههنا في زاوية قصيّة مضيئة باسمكِ الذي أحبه كثيرا ,
وأنا أرى العالم من حولي غارقا في عتم الدم والقتل, مشغولا بالبحث عن النصوص والتاريخ والأساطير التي تسوغ له الدخول للمستقبل من أوسع أبوابه, غير عابيء باللغة والأطفال, وبالحمامة البيضاء التي تزور شباكه يوميا وتعود لتسبح في سماء ملوثة بالكراهية والدخان الأسود الصاعد من شوارع العواصم, وقلوب جنرالات الحرب !


أبدأ ههنا وأنا أدرك أن رام الله باتت اليوم بعيدة كل البعد عني وأنه قد تمر أيام طويلة كثيرة قبل أن ألتقي وإياكِ في ربيع " دير دبوان " الذي أحسبه جميلا مثلكِ, مليئا بالظلال التي تشبه إلى حد بعيد ظلال قلبكِ الذي يرمي بفيئه على كل من تحبين, ومن يدري فقد نلتقي في ربيع أقرب مما تتوقعين وأتوقع, ربيع يحمل كل تفاصيل الجمال الفلسطيني الذي لم نره بعد .
أبدأ وفي القلب غصة هديتكِ التي استنفذتْ من تنهيدات الروح وموسيقى الأوتار وقتا طويلا ولم تصلكِ بعد, ولذلك أضع ههنا شمعة لغتي البسيطة لتضيء لكِ ريثما تصلكِ الهدية أو حتى ترين صاحبها .


ودعيني أعترف لكِ أنني بحاجة للاحتراق من جديد بأشعار ونصوص الكبار لأعالج هذا الثقب الذي يعتمل قلبي المثقل بالحنين, الفارغ من الأدب والحكايات, لأنني أريد لكِ حرفا يليق بكِ يا يارا وبجمال روحكِ القريبة من كل جميل, وأريد لهذا المكان أن يتوهج, أن يضيء بإعجابكِ بكلماتي التي لم تكن لتشتعل لولاكِ أنتِ .

السبت، آذار 18

وأنا أحاصركم


وصار الحصار هجوم أحمد

من إبداعات الرفيق ريد إيغل

http://arabic.salmiya.net/songs/marcel/ram/marcel62.ram

الجمعة، آذار 17

سنحب الحياة






تتجلى ثقافة المقاومة فعلا بطوليا, فعلا يجعل الخارق عاديا, الآن يحمل كل عربي قلبا فلسطينيا, الآن كلنا فلسطينيون من غير سوء.

لقد عادت فلسطين إلى مكانتها الصحيحة عندما عادت إلى مكانها الصحيح, فالشعب الفسلطيني يقاتل على أرضه دفاعا عن مستقبله على أرضه,الأرض هي الجسد, والجسد هو الأرض, والطريق إلى فلسطين لا يمر إلا من فلسطين.

كل شيء تغير, وأرواح شهداء صبرا وشاتيلا شاركت أبطال مخيم جنين مطاردة القتلة, مخيم جنين الذي لقن الأسطورة درس التواضع, والشعب الفلسطيني المضرج بالدم والألم والأمل يعيد إلى العرب بداهة الوعي بوحدة مصيرهم, ويحث البشرية على تحسس ضميرها الحي الذي حاصرته الهيمنة الأمريكية راعية الجرائم الإسرائيلية, والتي تسمي إرهاب الدولة دفاعا عن النفس, وتسمي مقاومة الإرهاب إرهابا !


كل شيء تغير إلا بطل الجريمة الذي مازال هو هو, باحثا عن الدم الفلسطيني إذا لم يجر تعديل على نص القتل وبلاغة القاتل.

لقد ترقى الجنرال إلى سدة الحكم بالانتخاب الحر المباشر, وهكذا يأذن لنا زيف الديمقراطية الإسرائيلية بمساءلة المجتمع الإسرائيلي عن مسئوليته الأخلاقية والسياسية, أهذا هو السلام الذي تنشدون ؟!

السلام القائم على أنقاض أهل الأرض, أهذه هي الحدود الآمنة التي تطلبون ؟!

الحدود التي لا تشير إلى أي أثر من آثار الوجود الفلسطيني !


فليكن واضحا, لا سلام مع الاحتلال, ولا أمن مع الاحتلال, ولا حياة مع الاحتلال, ولا عملية سلام موازية لعملية الإبادة.

إن الحق الفلسطيني واضح كالحقيقة الفلسطينية . إن آلامنا كثيرة ولكن آمالنا أكثر, ومآسينا كثيرة لكن البطولة أكبر, سنخفي الكثير من الدمع اليوم, لنغس به غدا أعلامنا الوطنية الموقعة بالدم, وسنحب الحياة لأننا أبناء الحياة حتى آخر لحظة .






الأربعاء، آذار 15

في وصف حالتنا



جالس أنا في المبنى العملاق وأحاول من خلال أحد الشبابيك أن أرى الفتاة خفيفة الظل التي اتخذت لها مكانا تحت أشعه الشمس في ذاك اليوم, الآنسة إياها ولفرط بياضها وميل لون شعرها للحمرة تصبح لامعة جدا في الشمس وأنا أحب التمتع بهذا المنظر جدا


الرفيق محمد إلى جانبي كان يحدثني عن ضرورة استنهاض الأمور في الجامعة والتحضير للانتخابات وعن أزمة اليسار في المجتمع, عندما وقعت عيناه الرزقاوين على كتاب المادية الدياليكتيكية الذي كنت أحمله فعاجلني بالسؤال حول الأمر وبدأت حديثا عن الفلسفة الماركسية بحضور مجموعة من أبناء الشبيبة - تبعت فتح - وانقلنا فيما بعد للحديث عن الخصخصة والقطاع العام, ثم عن الحل الأوحد للقضية الفلسطينية المتمثل في الدولة العلمانية الديمقراطية التي يعيش فيها العرب واليهود معا.

الحديث الأخير لفت أحدهم فاعترض, إنه إحنا نعيش مع اليهود يا حبيبي, لا لا ما بصير لازم نرميهم بالبحر.


طيب !


مجد قادم من بعيد,


- رفيق أنا حاسس أنه في شي أهلي كانوا يتصلوا علي بالمحاضرة ومش عارف أطلع .
- طيب شو ممكن يكون في يا ابن الحلال, حاول تتصل .
- ما بعرف بس إنه أكيد في شي .


يغيب قليلا ثم يعود مؤكدا لي أن الأمور في سجن أريحا صعبة وأن قوات الاحتلال تحاصر الرفيق سعدات ومن معه, فأقوم لمهاتفة نعمان, والرفيق نعمان يمتلك جوالا بفاتورة, يكفي أن - ترعش - عليه حتى يعود لك باتصال سريع, تمنيت أن يرد نعمان على مكالمة من مكالماتي, كان يفصل الخط فورا ويعود !


أنا على الشباك والفتاة التي بدت أجمل في الشمس ترمقني بنفس النظرات التي كانت ترمقني بها منذ سنة ونيف دون أن أعرف تفسيرا واحدا لهذه النظرات حتى يومي هذا .


- ألو رفيق
- أهلا
- صحيح اللي عم نسمعوا, شو اللي صاير ؟!
- لسه رفيق ما في أي معلومات, ما في شي مبين !
- طيب رفيق
- حاول تتحركوا في الجامعة
-
أوكي رفيق

الرفيق نعمان يتميز ببرود شديد إزاء تعامله مع مختلف الأمور, وأشعر دوما أن ديمقراطيته - سكر زيادة - يكتفي بإعطاء الأوامر ويترك لك حرية الحركة واتخاذ القرارات بشكل كامل, وفي الآونة الأخيرة بتّ أشعر أن نعمان يثق بي كثيرا ولا أعرف لمّ أسعدني هذا الأمر !


خرجت بسرعة من المبنى الذي أقضي فيه ساعات يوميا وحاولت البحث عن أي من الرفاق في الجامعة خاصة أن الرفيق محمد الذي كان معي في الجلسة كان يهم بالذهاب لمحاضرته, وما أعرفه عن طلبة تكنولوجيا المعلومات أنهم لا يحبون - تطنيش - أي محاضرة ولهذا لم يشاركنا محمد في الاعتصام الذي جرى وسط الجامعة فيما بعد لأنه كان في محاضرته .


رأيت أخيرا أحدهم, كان عرفات, وبادرني فورا بالحديث عن الموضوع ولم بترك لي مجالا للحديث, عرفات يحب الحديث كثيرا في السياسة والتنظير للجبهة أنما ذهب, بالإضافة لكونه يمتلك لاب توب من ماركة ديل وكاميرا ديجيتال من طراز إتش بي - مع إني مش عارف شو دخل هالشي بالموضوع بس وجب التنويه برضو .


- عرفات روق الله يخليك خلينا نشتغل

أقوم بالاتصال بأحدهم وكنت عرفت حديثا أنه يمتلك القدرة على الاتصال بأريحا وبأي من الرفاق هناك .


- ألو رفيق
- مين معي ؟
- رامي يا رفيق
- أهلا أهلا
- شو الأخبار ؟
- مش عارف, عم بحاول أتصل بعاهد - يقصد عاهد أبو غلمة - من شي ساعة وما حدا عم يرد !
-
طيب سلام, أي شي بصير معك بلغنا .

استقليت وعرفات سيارة وذهبنا لمكتب جبهة العمل على أمل إيجاد أحد هناك, وفي السيارة يتحدث عرفات إلى السائق وكأنه يؤنبه على ذنب ارتكبه ويبدأ بالتنظير كالعادة !


وصلنا المكتب فوجدناه مغلقا اتخذنا قرارا بالذهاب إلى المكتب المركزي من أجل التعرف على الأمور بشكل أفضل ومحاولة الحصول على مادة مكتوبة أو أي شيء, وفي الطريق إلى هناك بدأ عرفات حديثه الطويل عن ضرورة التضحية وعدم الاستسلام, وإنه يا عمي لو استشهدوا لازم تولع والعسكر - يقصد كتائب أبو علي - راح ينتفضوا ويآخدوا بالتار وهيك يارفيق أنا بكون مبسوط ووضعي تمام لأني بحب الطخ كتير, أحلى شي الطخ يارفيق !

وصلنا المركزي ولم يكن أي شيء مكتوب قد صدر بعد, اكتفينا بأخذ مجموعة من القبعات الحمراء وتوجهنا إلى الجامعة فورا, وكنت أنا أحاول الاتصال بكل من أعرفه من أجل فعل شيء, وعرفات كان يتحدث كالعادة !


ركبنا سيارة كان مسجلها يصدح بصوت الشيخ الذي كان يتحدث عن الحجاب وحقوق المرأة في الإسلام .

طبعا عرفات كان مستاءً,يعتقد أن كل سيارة في البلد يجب عليها أن تبثت المؤشر على إحدى المحطات المحلية من أجل الاستماع للأخبار الأخيرة حول الأمين العام, وقد حاول تنبيه السائق للأمر بشكل غير مباشر, بس ع بال مين يا عرفات, السائق وفي محاولة منه لاستفزاز عرفات رفع صوت المسجل أكثر, وعرفات كان يضحك ويحاول التعليق على كل كلمة يقولها الشيخ .


أخيرا وقبل وصولنا الجامعة كان الشيخ يتحدث عن الحجاب وعن ضرورة لبسه من قبل نساء المسلمين لأنه أصل الفتنة في عالمنا وسبب هزيمتنا على يد إسرائيل وبدأ بإعطاء الروشيتة السحرية للانتصار على العدو.


- أختي المسلمة, عاوزة تكيدي العدو ؟
- أختي المسلمة, أنا أقلك إزاي تكيدي العدو وتغيظيه وتنتصري عليه .
- أختي المسلمة, عاوزة تفري شارون ؟
- شارون ده سفاح صبرا وشاتيلا وجنرال حرب كبير في إسرائيل, إذا كنتي عاوزة تكيديه إلبسي الحجاب !

عرفات ضاحكا : أووووه يارفيق لو معي رقم أبو غسان - يقصد سعدات - كان قلتله يلبس حجاب هو واللي معه علشان يهزموا الحملة اللي جاية ع السجن .

خرجنا من السيارة وعرفات مازال يتهكم على السائق ويطلق سيلا من الشتائم البذيئة - عرفات لا يكفر - ضد المشايخ واللي بيحطوا أشرطة المشايخ في السيارات !


وصلنا الجامعة ووزعنا القبعات الحمراء على من رأيناه من الرفاق .

اتصل نعمان بي مجددا ودعاني لمحاولة الحصول على تعليق للدراسة داخل الجامعة, نعمان يفترض دوما أن كل شيء ممكن, ويبدو أنه كان يفترض أيضا أن تعليق الدراسة في جامعة الأزهر كان ممكنا في ظل هذه الحالة .


توجهنا لمسئولي الشبيبة داخل الجامعة وكالعادة طبعا يبدي أبناء شبيبة فتح الميامين أروع آيات التضامن معنا, كيف لا وهم الذين تربوا على خدمة القضية الوطنية والشعب الفلسطيني منذ نعومة اظافرهم, أبناء الشبيبة تعاطوا معنا بكل احترام في مصابنا الجلل, وعندما كنا نقول لهم إنه الأمين العام وهو لا يخص الجبهة فقط, كانوا يعاجلوننا بالقول : لا تنسوا أبو حازم - يقصدون فؤاد الشوبكي - معه كمان, طيب يا خوي والله ما إحنا ناسيين بس إنهونا, إعملوا شي خلصونا, بدنا تطلعونا ع مكريفون الجامعة وتتحدثوا عن الموضوع بسرعة .

وافقوا على الموضوع بعد شد وجذب وكعادتهم في التضامن والتعاطف والمواساة وإغاثة الملهوف - وشو كمان ؟ - كانوا يمطون الموضوع مثل الولد الصغير اللي قاعد بيلعب بالعلكة علشان يغيظ فيها صاحبه الغلبان اللي ما معو نص شيكل يشتري كيس شيبس !

انتظرنا طويلا حتى سمعنا الكلمة وكنا قد عقدنا اعتصاما بسيطا في وسط الجامعة, ولحسن الحظ فإن توقعاتنا لم تخب, فقد ألقيت الكلمة ولكن باسم الشبيبة وعلى عكس ما اتفقنا عليه, لكن لا بأس, كنا نريد أن نفعل أي شيء, الطلاب انتبهوا أخيرا بعد أن كانوا غير واعين لما يجري ! ( بس أوعو تصدقوا أنه ولاد الشبيبة ميامين عنجد, علي الضمان كان موقفهم بيخزي )


توجهنا إلى مبنى المجلس التشريعي وفي الطريق إلى هناك أعطى الرفيق عرفات درسا في العمل النقابي والتكتيك وضرورة بناء الإطار الطلابي في الجامعة من الصفر - شوي تانية راح يعمل كراس زي كراسات لينين - الإطار الطلابي في الجامعة من الصفر, وكالعادة طوشة !


وصلنا إلى مبنى البرلمان وكان العشرات من مسلحي الكتائب يطلقون النار يكثافة في الهواء, بينما توجه البعض الآخر لعقد مؤتمر صحفي.

كانت الفوضى عارمة هناك وبدأت الهتافات من مختلف الأشكال والأنواع, وفجأة استلم عرفات قضية الهتاف. عرفات يهتف : خاين خاين يا عباس !

عرفات ومن موقعه كعضو قيادة رابطة داخل حزبه مقتنع بنظرية غريبة تدفعه لهتاف كهذا, تقول نظرية عرفات أنه من غير المعقول أن يكون أعضاء الخلايا والروابط واقعيين ومتزنين, وإن كانوا كذلك فليس عليهم أن يستخدموا هذه الواقعية أبدا ذلك أن التدرج الهرمي للأعلى في الحزب سيجعل القيادة في النهاية تنبطح انبطاحا غير شكل !


عرفات يحاول شرح النظرية بشكل أبسط,


- رفيق عرفات الله يرضى عليك شو هالهتاف ما بعرفك هيك حامي .
- رفيق أنا عضو قيادة رابطة, يعني عضو قاعدي .
- طيب وشو يعني يا خوي, عضو قاعدي ولا بطيخي .
-
لا لا رفيق مالنا, يعني إذا كنا نحنا مش مندفعين وحمير وتمسكنا بشوي من الواقعية شو رح نخلي للقيادة !!


الفوضى كانت تشتد مع الهتاف وإطلاق الرصاص كان يتزايد والشمس كانت قد توسطت السماء, والرفاق يطلقون ويطلقون دونما انتباه, وفي وسط هذه الحالة كان الرصاص ينطلق بعضه في الهواء بعيدا وآخر قرب الرؤوس , ونتيجة لهذه الحالة - اللي مش عارف كيف صارت - خرجت صلية رصاص أصابت أحد الرفاق الهتيفة, غاب سعدات والهتاف والجبهة عن المشهد, والجمع صار يصرخ, سيارة سيارة, ع المستشفى ع السريع !

حُمل الرفيق المصاب إلى المستشفى وعادت الأمور إلى ما كانت عليه في السابق, وبدأت الحيرة تدب في النفوس إلى أين نذهب إلى أين نتوجه ؟


كانت أمريكا نصب أعين الجميع, كانوا يريدون أي شيء أمريكي حتى يتوجهوا إليه, يعني الله ستر ما شافوا سيارة فوردولا شفيرليه كان تكسرت وصارت حالتها حالة, كانت أمريكا تحرق دمهم جميعا فهتفوا معا , ع السفارة الأمريكية يا رفاق !

طبعا ما كنا نعرفه سابقا أنه لا سفارة أمريكية في غزة أبدا, بس خلص هي اللي صار .


إندفع المئات من المتظاهرين نحو مبنى المركز الثقافي البريطاني القريب من المنطقة, وكنت تستطيع أن تسمع الرصاص وهو يزداد حدة كلما اقتربت الجموع من المركز, وبمجرد الوصول إلى بوابته قام المسلحون بإطلاق النار بكثافة على المبنى في الوقت الذي كانت فيه الشرطة الفلسطينية تحاول تفريق المئات من خلال إطلاق النار في الهواء, وعندما عجزت عن الأمر تماما رأيتُ أشياء تطير إلى داخل المركز, حجارة رصاصا , شباشب, خشب, ورأيت الجمع الكبير وهو يدخل المبنى, وعندما ابتعدت قليلا عن المكان كنت أستطيع رؤية دخان أسود كثيف كان يتصاعد من داخل المبنى, عرفت فيما بعد أن الرفاق الذين دخلوا المركز أتوا عليه كله فلم يبقوا فيه شيئا على حاله !


استمرت المسيرة فأتت على على مبنى آخر يبدو أن تابع للأم المتحدة, ومشت فيما بعد تشق شارع عمر المختار, وعندما اقتربتُ من المكتب صعدت والرفيق نعمان وآخرين إليه, الكل كان تعبا جدا وتطوع أحدهم لعمل القهوة وسرعان ما تحول المكان إلى ما يشبه القهوة من فرط التدخين والنفرزة !


قمت فورا بصياغة بيان وقام الرفاق والرفيقات الذين أتوا فيما بعد إلى المكتب بكتابة مجموعة من البوسترات, فيما توجه البعض الآخر لزيارة المستشفى بعد أن وصلت أنباء تفيد بوقوع اشتباكات مع قوات الشرطة الفلسطينية التي كانت تحاول حماية بعض الرعايا الأجانب من عمليات الاختطاف.


لأول مرة في حياتي أرى المكتب هكذا يشتعل بالنشاط والحميّة, وكنت أتساءل ونفسي عما إذا كنا محتاجين بالفعل لفقدان رمز من الرموز حتى نصبح نشيطين لهذا الحد رغم أن القضايا النقابية الهامة تلح علينا يوميا وفي الغالب لا نحرك ساكنا !

أنهيت عملي بالكامل وتوجهت لموقف السيارات واستقليت السيارة ونزلت في محل عرفات - عرفات يُتاجر بالحلويات بالمناسبة - في مخيم من مخيمات وسط القطاع, كان عرفات فرحا غير مكترث بالأمور فهو يعتبر نفسه أدى ما عليه هو ومن معه من خلال ضرب المصالح الغربية الرجعية, مش حكينا قبل هيك أنه عرفات بيحب الطخ والخبط والحرق والخطف !


وصلت البيت متعبا جدا, أكلت ما تبقى من ملوخية وسلطة, فتحت التلفاز وبدأت بالمتابعة, عندما بدأ خروج قوات الأمن الوطني من السجن شعرت أن الموضوع بات في نهايته, دقائق معدودة وكانت شيرين أبو عاقلة تنقل لكل أولئك الذين تسمروا أمام الشاشات خبر اعتقال سعدات ومن معه, وفيما بعد نقلت الجزيرة عدة مرات صورة سعدات وهو خارج من هناك .

أمي غرقت في دموعها كالعادة, أبي ذو شخصية تتمتع ببرود شديد ولذلك لم تصدر عنه أي ردة فعل غير عادية, أما ستي فكان لسانها يلهج بالدعاء على اليهود والكفرة والصليبيين!!


نزلت إلى الكمبيوتر أحاول أن أرى شيئا لكن بدون جدوى, كانت مجموعة من الأمور قد اختلطت عليّ فجعلتني غير قادر على الحديث أو متابعة أي شيء, أذكر فقط أنني استمعت لأغنية لسعدات لم أكن قد سمعتها من قبل أبدا, وأجريت محادثة مع أحد الرفاق عبر الماسينجر أكد لي فيها أن تناقضنا الرئيسي ليس مع الاحتلال ولكن مع السلطة . أنهيت كل شيء وصعدت لسريري ولسان حالي يقول : شو بيعرفني !

--------------------------------------------------

شو بيعرفني !!






!! شو بيعرفني



html hit counter code
cheap web hosting